ابن عربي
85
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
يشير إلى ما أردفه من النعم المعنوية وغير المعنوية على عباده ، وقوله : مهول ، فمن فكر في ذلك عظم عليه وهاله ما أردفه سبحانه من جسيم مننه التي لا طاقة للعبد على القيام بشكرها ، وشبهها بكثيب الرمل لارتكاب بعضها على بعض وتصرفها وكثرتها وتمييز بعضها من بعض كما تنفصل دقيقة الرمل من الرمل ، أي لا تمزج فتختلط فلا تعرف . ثم شبه حركتها في قلوب العارفين بها مثل سنام الجمل العظيم في الرفعة والسمن ، فإنه دهن كله ، والدهن ممد الأنوار للبقاء ، فكذلك هذه العلوم إذا قامت بقلوب من قامت بها ، أورثتها البقاء الأبدي في النعيم الأبدي . فما لامني في هواها عذول * ولا لامني في هواها صديق يقول : لا تساعها لا تتعلق غيرة العباد بها لأنها مع كل أحد كالشمس لو اتفق أن تهواها القلوب لقطعت يأسها من مماسة ذاتها لنزاهتها وعلوها عن مقام مجيئها ، ولنالت منها مقصودها بمجرد النظر على الانفراد لأنها متخيلة لكل عين ، فلهذا لا تصح الغيرة على محبوب بهذه الصفة ، فإنّ المصلي يناجي ربه ، وكل شخص في رؤيته على انفراده يناجي ربه بقلبه فلا يقع في ذلك ازدحام ، فلا غيرة ، فلا لوم من عاذل ولا من صديق أصلا ، ثم قال : [ بكاؤه على المقامات التي مر بها ] ولو لامني في هواها عذول * لكان جوابي إليه شهيقي يقول : ولو تصور اللوم من أحد إليّ في حبي إياها لكان جوابي الإعلان بالبكاء والزفير ، يريد أنّ الحال مني محبة بأني لا أسمع عذلك فيما جئت به . ثم قال : فشوقي ركابي ، وحزني لباسي * ووجدي صبوحي ودمعي غبوقي يقول : فشوقي ركابي إليها وهو الذي ينزلني عليها بقول الحق تعالى : « أين المشتاقون إليّ أنزههم في وجهي ، وأرفع لهم الحجاب حتى يروني فطوبى لهم ثم طوبى » . ما أحسن تلك المناظر العلى بالمقام الأجلى والمكانة الزلفى . ثم قال : إنّ وجدي وغذائي الذي هو سبب حياتي ، والصبوح شرب الغداة ، والغبوق شرب العشي ، ولهم رزقهم بكرة وعشيا ، كما للمحجوبين النار يعرضون عليها غدوا وعشيا . قال : وأنشدني بعض الفقراء بيتا لا يعرف له أخا وهو : كل الذي يرجو نوالك أمطروا * ما كان برقك خلبا إلا معي « 1 »
--> ( 1 ) برق خلّب : هو الذي لا يعقبه مطر ويشبّه به من يعد ولا ينجز .